محمد جمال الدين القاسمي
417
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يستحيل تواطؤهم على الكذب . والإنجيل أيضا مخبر عن الصلب . فإن جوزتم كذبهم ، وكذب ما يدعي أنه الإنجيل ، وإن مثل هؤلاء ممكن تواطؤهم على الكذب - لزم المحال من وجوه : أحدها - أنه يتعذر عليكم أيها المسلمون ، جعل القرآن متواترا . وثانيها - أن قاعدة التواتر تبطل بالكلية . فإن غاية خبر التواتر يصل إلى مثل هذا . وثالثها - أن إنكار الأمور المتواترة . جحد للضرورة ، فلا يسمع . فلو قال إنسان : الخبر عن وجود بغداد ودمشق كذب ، لم يسمع ذلك منه ، وعدّ خارجا عن دائرة العقلاء . وحينئذ يتعين أن القول بالصلب حق وأن إخبار المسلمين والقرآن عن عدم ذلك ، مشكل . والجواب من وجوه : أحدها - أن جميع النصارى واليهود يوردون هذا السؤال ولا يعلمون حقيقة التواتر ولا شروطه . وإنما فهم ذلك وغيره هذه الأمة المحمدية والملة الإسلامية ! لعلو قدرها وشرفها واختصاصها بمعاقد العلوم وأزمتها . دون غيرها . كما هو مسلم عند كل درّي ( كذا ) منصف . وها نحن نوضح ذلك إن شاء اللّه تعالى فنقول : إن التواتر له شروط : الشرط الأول - أن يكون المخبر عنه أمرا محسوسا . ويدل على اعتبار هذا الشرط ، أن الأمة العظيمة قد تخبر عن القضايا الجسيمة وهي باطلة . كإخبار المعطلة عن عدم الصانع والفلاسفة عن قدم العالم . مع بطلان ذلك عند أمم كثيرة . وسببه أن مجال النظر يكثر فيه وقوع الخطأ . فلا يثق الإنسان بالخبر عن العقليات ، حتى ينظر فيجد البرهان العقليّ يعضد ذلك الخبر . فحينئذ يقطع بصحة ذلك الخبر . أما الأمور المحسوسة ، مثل المبصرات ونحوها فشديدة البعد على الخطأ . وإنما يقع الخلل من التواطؤ على الكذب . فإذا كان المخبرون يستحيل تواطؤهم على الكذب حصل القطع بصحة الخبر . الشرط الثاني - استواء الطرفين والواسطة . وتحرير هذا الشرط أن المخبرين لنا ، إذا كانوا يستحيل تواطؤهم على الكذب وكانوا هم المباشرين لذلك الأمر المحسوس ، المخبر عنه ، حصل العلم بخبرهم . وإن لم يكن المخبر لنا هو المباشر لذلك الأمور المحسوس ، بل ينقلون عن غيرهم أنه أخبرهم بذلك ، فلا بد أن يكون الغير المباشر عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب ، فإنه إن جاز الكذب عليه ، وهو أصل هؤلاء المخبرين لنا ، فإذا لم يبق الأصل لم يبق المفرع عليه . فلا يلزم من كون المخبر لنا يستحيل تواطؤهم على الكذب حصول العلم بخبرهم . لجواز فساد أصلهم المعتمدين عليه . فيتعين أن يكون الأصل عددا يستحيل توطؤهم على الكذب . فهذا معنى قولنا : ( استواء الطرفين ) في كونهما عددا يستحيل تواطؤهما على